العلامة المجلسي
206
بحار الأنوار
ولا يتم التواضع بعد المعرفة إلا بالعمل ، فمن عرف نفسه فلينظر إلى كل ما يتقاضاه الكبر من الافعال ، فليواظب على نقيضها حتى يصير التواضع له خلقا ، وقد ورد في الأخبار الكثيرة علاج الكبر بالاعمال ، وبيان أخلاق المتواضعين . قيل : اعلم أن التكبر يظهر في شمائل الرجل كصعر في وجهه ، ونظره شزرا وإطراقه رأسه ، وجلوسه متربعا ومتكئا وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصفته في الايراد ، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه في حركاته وسكناته وفي تعاطيه لأفعاله وساير تقلباته في أقواله وافعاله وأعماله . فمن المتكبرين من يجمع ذلك كله ، ومنهم من يتكبر في بعض ، فمنها التكبر بأن يحب قيام الناس له ، أو بين يديه ، وقد قال علي صلوات الله عليه : ومن أراد أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى رجل قاعد وبين يديه قوم قيام ، وقال أنس : لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وآله وكانوا إذا رأوه لا يقومون له ، لما يعلمون من كراهته لذلك . ومنها أن لا يمشي إلا ومعه غيره يمشي خلفه : قال أبو الدرداء : لا يزال العبد يزداد من الله بعدا مامشى خلفه ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله في بعض الأوقات يمشي مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدم ، ويمشي في غمارهم ، ومنها أن لا يزور غيره . وإن كان يحصل من زيارته خير لغيره في الدين ، وهو ضد التواضع . ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلا أن يجلس بين يديه والتواضع خلافه قال أنس : كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ينزع منها يده ، حتى تذهب به حيث شاءت . ومنها أن يتوقى مجالسة المرضى والمعلولين ، ويتحاشى عنهم ، وهو كبر : دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وعليه جدري قد يقشر وعنده أصحابه يأكلون فما جلس عند أحد إلا قام من جنبه ، فأجلسه النبي صلى الله عليه وآله بجنبه . ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلا في بيته ، والتواضع خلافه ، ومنها أن لا يأخذ